منتديات اسود السلف يهتم بكل مايتعلق بالدين الحنيف
 
البوابةالرئيسيةبحـثالتسجيلدخول
[URL="http://www.sultan.org/a"][/URL]
دليل سلطان للمواقع الإسلامية

شاطر | 
 

 مقدمة معركة ( عين جالوت ) وأحداث المعركة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 22
تاريخ التسجيل : 08/10/2010

مُساهمةموضوع: مقدمة معركة ( عين جالوت ) وأحداث المعركة    الإثنين أكتوبر 11, 2010 7:10 am

العناصر :

1- مصر هدف استراتيجي للمغول


2- خطوات سيف الدين قطز لتوحيد الصف


3-فتوي سلطان العلماء الشيخ العز بن عبد السلام


4- رسالة هولاكو


5-مجلس شورى حربي


6-قتل رسل المغول




مقدمات معركة عين جالوت وسير أحداثها:

كان من نتائج سقوط بلاد الشام في ايدي المغول وحلفائهم ان عم الرعب والخوف سائر أرجائها، فهرب الناس باتجاه الاراضي المصرية، وقد انغرس داخل نفوسهم نتيجة ما شاهدوه من الاهوال وبسبب ما حل بهم وببلادهم من الدمار والخراب والهلاك وأن الشيء الذي سينقذ المسلمين وممتلكاتهم من الزحف المغولي المدمر هو البحث عن قيادة حكيمة قوية تترجم نواياهم تلك بإنهاء خلافاتهم وتوحيد كلمتهم، وإعادة تنظيم جموعهم ومن ثم بعث روح الجهاد الإسلامي في نفوسهم لدرء ذلك العدوان الذي استشرى خطره وبات يهدد ما تبقى من العالم الإسلامي بالدمار والهلاك والواقع أن مصر في ذلك الوقت كان كل شيء فيها ينبيء بظهور قوة جديدة.

أولاً: احتلال مصر هدف استراتيجي للمغول:
إن المتتبع لخط سير التتار سيدرك على وجه اليقين أن مصر هدفاً استراتيجياً للمغول وذلك لعدة اسباب منها:

1 ـ سياسة التتار التوسعية الواضحة وهم لا ينتهون من بلد إلا ويبحثون عن الذي يليه، ومصر هي التي تلي فلسطين مباشرة.

2 ـ لم يبق في العالم الإسلامي بأسره قوة تستطيع أن تهدد أمن التتار إلا مصر،فقد سقطت معظم الممالك والحصون والمدن الإسلامية تقريباً وبقيت هذه القلعة الصامدة.

3 ـ الموقع الاستراتيجي لمصر في غاية الاهمية، فهي في قلب العالم القديم، ومتحكم في خطوط التجارة العالمية.

4 ـ احتلال مصر بوابة لشمال افريقيا وفي ذلك الوقت كان المغرب الكبير، قد تمزق إلى دويلات صغيرة بعد سقوط دولة الموحدين، ولم تكن لها القدرة على الوقوف أمام الإمبراطورية المغولية.

5 ـ القوة البشرية في مصر، والطاقات الكامنة بها، واستيعابها لفلول المسلمين الهاربين من المغول كان مصدر قلق بالنسبة للمغول.

6 ـ مقومات حركة الجهاد الناجحة كانت متوفرة في مصر من قيادة واعية، وحمية دينية، وتجمع للعلماء والفقهاء الفارين من هول المغول، فكان المغول يخشون أن تتحول تلك المقومات إلى مشروع إسلامي لتحرير ديار المسلمين من الاحتلال المغولي.

6 ـ رغبة المغول في الهيمنة على العالم كله تستدعي منهم القضاء على دولة المماليك، ثم أن القرار باحتلال مصر أخذه امبراطور المغول في عاصمتهم بحضور كبار مستشاري الإمبراطورية المغولية.

ثانياً: خطوات سيف الدين قطز لتوحيد الصف الإسلامي:

بات سيف الدين قطز يدرك ادراكاً تاماً أن بقاء دولته الفتية يتوقف على اجتياز ذلك الامتحان الصعب المتمثل في الغزوالمغولي للممالك الإسلاميةالذي استشرى خطره، وأن يثبت انه بحق أهل للثقةالتي أولاها إياه الأمراء في مصر ورجل الساعة بالفعل بعد اجماعهم على عزل الملك المنصور علي ابن المعز أيبك وتنصيبه على دولة المماليك، ولكي تتوحد الصفوف أمام الازمة اتخذ سيف الدين قطز الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: جمع الأمراء وكبار القادة وكبار العلماء وأصحاب الرأي في مصر وتناقشوا في أمر القيادة التي تتصدى للمغول وأجمع الحاضرون على أن الملك المنصور علي بن المعز أيبك الذي كان صغير السن ضعيف الشخصية لم يكن لديه من الطاقة والقدرة ما يستطيع به مواجهة الاخطار والتحديات التي باتت تهدد دولة المماليك في مصر، لذا قرروا عزل السلطان الصغير، وقال للحاضرين: ( إني ما قصدت(أي من السيطرة على الحكم) إلا نجتمع على قتال التتار، ولا يتأتى ذلك بغير ملك فإذا خرجنا وكسرنا هذا العدو، فالامر لكم، اقيموا في السلطة من شئتم). فاستطاع قطز أن يجمع الناس على فكرة الجهاد والتصدي للغزاة وفوق ذلك أعلن بوضوح أنه سيجعل الأمر في الناس، يختارون من يشاءون دون التقيد بعائلة معينة أو مماليك بذاتهم، وسيرة الرجل تدل على أنه صادق فيما قال وأن الانتصار لهذا الدين ورغبته في قتال التتار إعلى بكثير من رغبته في الملك وقد جعل الله نصر الامة على يديه، وليس من سنة الله ـ عز وجل ـ أن يكتب نصر الامة على يد المنافقين، والفاسدين قال تعالى:"إن الله لا يصلح عمل المفسدين" ((يونس:آية:81)).ومع أن قطز ـ رحمه الله ـ قد استخدم الاخلاق الرفيعة، والاهداف النبيلة في تجميع القادة والعلماء حوله، إلا أنه لم يتخل عن حزمه في الادارة وعن أخذه بأسباب النصر واختيار الفريق المساعد له وابعاد من يراه مناسباًفعزل الوزير(( ابن بنت الاعز)) المعروف بولائه الشديد لشجرة الدر، وولىّ بدلاً منه وزيراً آخر يثق في ولائه وقدراته وهو((زين الدين يعقوب بن عبد الرفيع)) وحفظ الامانة ووسد الأمور إلى أهلها، وأقر قائد الجيش في مكانه وهو ((فارس الدين أقطاي الصغير الصالح)) مع أنه من المماليك البحرية الصالحية، إلا أنه وجد فيه كفاءة عسكرية وقدرة قيادية وأمانة وصدق وهي مؤهلات ضرورية لأي إمارة، وهذا ذكاء سياسي من قطز فهو بذلك يستميل المماليك البحرية الذين فروا في أنحاء الشام وتركيا، ويبث الإطمئنان في نفوسهم، وهذا ـ ولا شك ـ سيؤدي إلى إستقرار الأوضاع في مصر، كما أنه سيجعل للمسلمين تستفيد من الخبرات العسكرية النادرة للماليك البحرية، كما قام قطز بالقبض على بعض رؤوس الفتنة الذين حاولوا أن يخرجوا علىسلطته وحكمه، وبذلك هدأت الأمور نسبياً في مصر، وعلم قطز أن الناس إن لم يشغلوا بالجهاد شغلوا بأنفسهم، ولذلك فبمجرد أن إعتلى على عرش مصر أمر وزيره زين الدين، وكذلك قائد الجيش فارس الدين أقطاي الصغير أن يجهزا الجيش، ويعدا العدة وينظما الصفوف، فانشغل الناس بالإعداد لمواجهة العدو، لقد ساهمت هذه الخطوة في تقوية الوضع الداخلي، وإنشغل الناس بالجهاد، وقام السلطان بإقامة الشرع والدفاع عن البلاد، والقيام بشئون الرعية وحماية مصالح الناس، فاستقرت الأحوال المحلية، وتوحد الصف الداخلي، وهذه خطوة في تحقيق النصر.



الخطوة الثانية: العفو الحقيقي: أصدر السلطان قطز قراراً بالعفو العام (الحقيقي) عن كل المماليك البحرية، لقد مر بنا كيف أنه قد حدثت فتنة بين المماليك البحرية وبين المماليك المعزية، وكانت بدايات الفتنة من ست سنوات (652هـ) وكان سيف الدين قطز قد أدرك أهمية كسب ركن الدين بيبرس لصف المقاومة لأمور منها:

أ ـ الكفاءة القتالية العالية جداً، والمهارة القيادية رفيعة المستوى لركن الدين بيبرس، والحمية الإسلامية لهذا القاد الفذ.

ب ـ الذكاء الحاد الذي يتميز به بيبرس، والذي سيحاول قطز أن يوظفه لصالح معركة التتار بدلاً من أن يوظف في معارك داخلية ضد المماليك المعزية.

جـ ـ ولاء المماليك البحرية لركن الدين بيبرس، وأنه إن ظل هارباً فلا يأمن أحد أن ينقلب عليه المماليك البحرية في أي وقت، لذلك فمن الأحكم سياسياً أن يستقطب بيبرس في صفه، ويعظم قدره ويستغل قدراته وإمكانياته، وبذلك يضمن إستقرار النفوس وتجميع الطاقات لحرب التتار بدلاً من الدخول في معارك جانبية لا معنى لها.

لذلك لما قدم بيبرس إلى مصر بعد إستقدام قطز له، عظم قطز من شأنه جداً وأنزله دار الوزارة وعرف له قدره وقيمته وأقطعه (قليوب) وما حولها من القرى، وعامله كأمير من الأمراء المقدمين وجعله على مقدمة جيوشه فيما بعد، فنلاحظ من صفات قطز القيادية، العفو عند المقدرة وإنزال الناس منازلهم، والفقه السياسي الحكيم، والحرص على الوحدة، وقد إستطاع سيف الدين قطز أن يستفيد من طاقات المماليك البحرية وإمكانياتهم وتقوية الجيش بهم.

الخطوة الثالثة: حرص على التواصل مع الدولة الأيوبية، فقد كانت العلاقة بين المماليك والأيوبية متوترة إلى حد كبير، بل أن الناصر يوسف الأيوبي أمير دمشق وحلب كان قد طلب من التتار بعد سقوط بغداد أن يعاونوه في غزو مصر، إلا أن سيف الدين قطز سعى لإذابة الخلافات بينه وبين أمراء الشام، وكان يسعى إلى الوحدة مع الشام أو على الأقل تحييد أمراء الشام، ليخلو بينهم وبين التتار دون أن يطعنوه في ظهره، فتواصل سيف الدين قطز مع الملك الناصر الأيوبي وعرض عليه أن يكون تابعاً للناصر ، ولم يكتف قطز بهذه الجهود الدبلوماسية مع الناصر بل راسل بقية أمراء الشام، فاستجاب له الأمير المنصور صاحب حماه والتحق بعض جيشه بقطز، وأما المغيث عمر صاحب الكرك بالأردن فقد آثر أن يقف على الحياد، وقد حاول مرتين قبل ذلك أن يحتل مصر، وصده قطز في المرتين، وأما الأشرف الأيوبي صاحب حمص فقد رفض الإستجابة تماماً لقطز، وفضل التعاون المباشر مع التتار، وبالفعل أعطاه هولاكو إمارة الشام كلها ليحكم باسم التتار، وأما الأخير وهو الملك السعيد ((حسن بن عبد العزيز)) صاحب بانياس فقد رفض التعاون مع قطز هو الآخر رفضاً قاطعاً، بل إنضم بجيشه إلى قوات التتار يساعدهم في فتح بلاد المسلمين، وهكذا استطاع قطز أن يكسب أمير حماه المنصور وانضم إليه جيش الناصر، وحيَّد إلى حد كبير المغيث عمر صاحب الكرك، وبذلك يكون قد إنضم الكثير من الجنود الشاميين مع سيف الدين قطز.



الخطوة الرابعة: أراد الملك سيف الدين قطز قبل الشروع في مواجهة المغول أن يختبر الصليبيين على ساحل بلاد الشام، لمعرفة موقفهم من ذلك الصراع الذي أصبح محاذياً لهم، لتخوفه من إنضمام هؤلاء الصليبيين إلى المغول عند نشوب الحرب، وبناء عليه توجهت سفارة مصرية إلى عكا تطلب من الصليبين السماح للجيوش الإسلامية بإجتياز بلادهم وشراء ما تحتاجه من المؤن، والواقع أن الصليبيين لم يخفوا مرارتهم وكراهيتهم وحقدهم للمغول بعن أن قام المغول بمهاجمة مدينة صيدا ونهبها، كما أنه لم تتوافر عندهم الثقة فيهم لما ارتكبوه من المذابح الجماعية، على حين أن الصليبيين اتصلوا بالحضارة الإسلامية وألفوها، بل ونتيجة لذلك أبدوا أول الأمر إستعدادهم لبذل المساعدة العسكرية للسلطان قطز إلا أن السلطان سيف الدين شكرهم حينما عرضوا عليه أن يسيروا معه نجدة واستحلفهم أن يكونوا لا له ولا عليه واستطاع السلطان سيف الدين قطز أن يتحصل على موافقة الصليبيين بالسماح لقواته باجتياز الأراضي الساحلية التي تحت أيديهم، وجعلته في مأمن من ذلك الجانب، وتجنب خطر إشتباكه في أكثر من جهة في تلك اللحظات الحرجة.

الخطوة الخامسة: تحكيم الشريعة في أموال الحرب: كانت النفقات للإعداد كبيرة، من تجهيز الجيش، وإعداد التموين اللازم له، وإصلاح الجسور والقلاع والحصون، وإعداد العدة اللازمة للحرب، وتخزين ما يكفي للشعب في حال الحصار، وكانت الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد طاحنة، وليس هناك وقت لخطة خمسية أو عشرية، والتتار على الأبواب وقد وصلوا غزة والدولة تحتاج للأموال، فجمع سيف الدين قطز مجلسه الاستشاري ودعا إليه إلى جانب الأمراء والقادة والعلماء والفقهاء وعلى رأسهم سلطان العلما الشيخ العز بن عبد السلام، وبدأوا يبحثون عن حل لتجهيز كتائب المسلمين، واقترح سيف الدين قطز، أن نفرض ضرائب لدعم الجيش.

فتوى الشيخ العز بن عبد السلام
إلا أن الشيخ العز بن عبد السلام تحفظ على هذا المقترج ولم يوافق عليه إلا بشرطين واصدر هذه الفتوى: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كله قتالهم ( أي العالم الإسلامي)، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم (أي فوق الزكاة)، بشرط ألا يبقى في بيت المال شيء من السلاح والسروج والذهب والفضة والسيوف المحلاة بالذهب، وأن تبيعوا مالكم من ممتلكات والآلات (أي يبيع الحكام والأمراء والوزراء ما يمتلكون)، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه وتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي قادة الجند من الأموال والآلات فلا. فقد بين الشيخ العز بن عبد السلام، بأنه لا يجوز فرض ضرائب إلا بعد أن يتساوى الوزراء والأمراء مع العامة في الممتلكات، ويجهز الجيش بأموال الأمراء والوزراء، فإن لم تكف هذه الأموال جاز هنا فرض الضرائب على الشعب بالقدر الذي يكفي بتجهيز الجيش ليس أكثر من ذلك[13]. لقد قبل سيف الدين قطز فتوى العز بن عبد السلام ببساطة وبدأ بنفسه وباع كل ما يملك وأمر الوزراء والأمراء أن يفعلوا ذلك، فانصاع الجميع وامتثلوا أمره، فقد أحضر الأمراء كافة ما يملكون من مال وحلي نسائهم وأقسم كل واحد منهم أنه لا يملك شيئاً في الباطن، ولما جمعت هذه الأموال وضربت سكاً ونقداً وأنفقت في تجهيز الجيش، ولم تكف هذه الأموال نفقة الجيش، فقرر قطز على كل رأس من أهل مصر والقاهرة من كبير وصغير ديناراً واحداً، وأخذ من أجرة الأملاك شهراً واحداً، وأخذ من أغنياء الناس والتجار زكاة أموالهم معجلاً، وأخذ من الترك الأهلية ثلث المال، وأخذ من الغيطان والسواقي أجرة شهر واحد، وبلغ جملة ما جمعه من الأموال أكثر من ستمائة ألف دينار. فجمع بذلك الأسلوب الفريد للمال الحلال الذي لا ظلم ولا عدوان فيه[15]. وكان هذا العمل الجليل من اسباب النصر في عين جالوت قال تعالى"إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم" (محمد ، آية : 7) ونصر الله لا يكون إلا بتطبيق شرعه، والجيش المسلم الذي يبتعد عن شرع الله يكون بعيداً عن نصر الله عز وجل، إن ما قام به سيف الدين قطز في الاستمتاع لرأي الشيخ العز بن عبد السلام ثم تنفيذه ترتب عليه شحنة معنوية قوية شحذت همم الناس للجهاد وبذل الغالي والنفيس في سبيل الله، إذ يمكن القول أن تلك الفتوى التي أصدرها العز بن عبد السلام، في ذلك الوقت الذي كان الشرق الإسلامي بلا خلافة شرعية، أدت الدور نفسه الذي كانت الخلافة ستؤديه فيما لو كانت قائمة، إذ كانت فتواه تلك بمثابة سلطة روحية ساعدت المظفر في الحصول على استجابة عامة المسلمين بدفع ما قرر عليهم من أموال، مستشعرين بأن ذلك وأجب يفرضه عليهم دينهم الحنيف، وكان الشيخ العز بن عبد السلام وعلماء مصر يحثون الناس في سبيل الله تعالى، ووعظ الأمراء والحكام وحرك قلوبهم فتنبه فيها الإيمان، فأخرجوا ما عندهم، ورأى الناس ذلك فتسابقوا إلى بذل الجود، وكثرت الأموال، فأعدوا العدة وجمعوا السلاح، وأقيمت معسكرات التدريب في كل مكان واهتزَّت البلدة بالهتاف والتكبير، وصار كل مسلم يشتهي الوصول إلى المعركة، وهذا درس مهم في أهمية التكامل بين أمراء المماليك والعلماء في مقاومة التتار.

ثالثاً: رسالة هولاكو إلى سيف الدين قطز:
أرسل هولاكو رسالة إلى سلطان مصر كلها تهديد ووعيد قال فيها: (من ملك الملوك شرقاً وغرباً القان الأعظم، باسمك الله باسط الأرض ورافع السماء يعلم الملك المظفر قطز، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا إلى هذا الاقليم يتنعمون بانعامه، ويقتلون من كان بسلطانه بعد ذلك، يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه، وأسلموا إلينا امركم، قبل أن ينكف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ، فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب، فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا خلاص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتلنا لاتنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، فإنكم أكلتم الحرام، ولا تعفون عن الكلام، وخنتم العهود والإيمان وفشا فيكم العقوق والعصيان فأبشروا بالمذلة والهوان "فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير حق وبما كنتم تفسقون" "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" فمن طلب حربنا ندم ومن قصد أماننا سلم، فإن أنتم لشرطنا ولأمرنا أطعتم، فلكم مالنا وعليكم ما علينا، وإن خلفتم هلكتم، فلا تهلكوا نفوسكم بأيديكم، فقد حذر من أنذر وقد ثبت عندكم ان نحن الكفرة، وقد ثبت عندنا أنكم الفجرة وقد سلطنا عليكم من له الأمور المقدرة والأحكام المدبرة، فكثيركم عندنا قليل، وعزيزكم عندنا ذليل، وبغير المذلة ما لملوكم علينا من سبيل، فلا تطيلو الخطاب، واسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون مناجاها ولا عزاً ولا كافياً ولا حرازاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، فقد انصفناكم إذ راسلناكم، وايقظناكم إذ حذرناكم، فما بقي لنا مقصد سواكم والسلام علينا وعليكم وعلى من أطاع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى.



مجلس شورى حربي: كانت الرسالة بمثابة التحدي النهائي لآخر قيادة إسلامية، وعلى ضوء الموقف الذي ستقرر هذه القيادة اتخاذه سيتوقف مصير عالم الإسلام وحضارته التي وضعها كدح القرون الطوال، كل المؤشرات كانت تقود إلى الاستلام للتحدي والإذعان لضروراته.. ولكنه الإيمان له منطق آخر، أنه لا يمنح القدرة عل الحركة في ظروف الشلل التام، فحسب، لكنه بصيرة تخترق حجب العمى والظلام، لكي تطل على الأفق يشع ضياء، وبالحركة القديرة، والرؤية الصائبة تجابه القيادات الفذة تحديات التاريخ ومحنه وويلاته، فتخرج منها ظافرة، وتحقق بالاستجابة قفزة نوعية في مجرى الفعل والتحقق، قرأ سيف الدين قطز الرسالة واستدعى الأمراء ليعرض الأمر عليهم وجرى هذا الحوار:

قطز: ماذا ترتؤن؟

ناصر الدين قميري: إن هولاكو فضلاً عن أنه حفيد جنكيز خان، فإن شهرته وهيبته غنية عن الشرح والبيان وإن البلاد الممتدة من تخوم الصين إلى باب مصر كلها في قبضته الآن، فلو ذهبنا إليه نطلب الأمان فليس في ذلك عيب وعار، ولكن تناول السم بخداع النفس واستقبال الموت، أمران بعيدان عن حكم العقل، أنه ليس الإنسان الذي يطمأن إليه، فهولا يتورع عن إحتراز الرؤوس، وهو لا يفي بعهده وميثاقه، فإنه قتل فجأة الخليفة وعدداً من الأمراء بعد أن أعطاهم العهد والميثاق، فإذا سرنا سيكون مصيرنا هذا السبيل.

قطز: والحالة هذه فإن كافة ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات الفجائع، وأصبحت البلاد من بغداد وحتى الروم خراباً يباباً، وقضى على جميع ما فيها من حرث ونسل، فلو أننا تقدمنا لقتالهم وقمنا بمقاومتهم فسوف تخرب مصر خراباً كغيرها من البلاد، وينبغي أن تختار مع هذه الجماعة التي تريد بلادنا واحد من الثلاثة: الصلح أو القتال أو الجلاء عن الوطن، أما الجلاء عن الوطن فأمر متعذر ذلك لأنه لا يمكن أن نجد مفراً إلا المغرب، وبيننا وبينهم مسافات بعيدة.

قميري: وليس هناك مصلحة أيضاً في مصالحتهم، إذ أنه لا يوثق بعودهم.

عدد من الأمراء: ليس لنا طاقة ولا قدرة على مقاومتهم، فمر بما يقضيه رأيك.

قطز: إن الرأي عندي هو أن نتوجه جميعاً إلى القتال، فإذا ظفرنا فهو المراد، وإلا فلن نكون ملومين أمام الخلق.

الظاهر بيبرس: أرى أن نقتل الرسل، ونقصد كتبغا ـ قائد المغول ـ متضامنين، فإذا إنتصرنا أو هزمنا فسوف نكون في تلك الحالتين معذورين.

أيد الأمراء المجتمعون كافة هذا الرأي، وكان على قطز أن يتخذ قراره وقد إتخذه فعلاً.

ـ التغيير العام: وفي هذه الأثناء أراد المظفر أن يقطع كل مجال للتردد في الخروج لمواجهة المغول، فأصدر أوامره إلى ولاة الأقاليم المصرية بجمع الجيوش وحث الناس على الخروج للجهاد في سبيل الله ونصرة دين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطالب الولاة بإزعاج الأجناد للخروج للسفر، ومن وجد منهم من إختفى يضرب بالمقارع، وسار بنفسه حتى نزل الصالحية، حيث تكامل عنده وصول العساكر المصرية، ومن إنضم إليهم من عساكر الشام والعرب والتركمان وغيرهم، وذلك في يوم الاثنين الخامس عشر من شعبان سنة 658هـ/يوليو1260م، وفي هذه المنطقة طلب قطز الأمراء واجتمع بهم وتكلم معهم في المسير لقتال المغول، وهنا يبدو أن بعض هؤلاء الأمراء عاودهم الخوف من مواجهة المغول وامتنعوا عن الخروج، الأمر الذي أثار حماسة السلطان المظفر قطز فقال لهم: يا أمراء المسلمين لكم زمان تأكلون أموال بيت المال وأنتم للغزاة كارهون وأنا متوجه فمن إختار الجهاد يصحبني ومن لم يختر ذلك يرجع إلى بيته، فإن الله مطلع عليه وخطيئة حريم المسلمين في رقاب المتأخرين، وأمام هذا التصميم الذي أبداه قطز لمواجهة المغول، والذي أعقبه تحليف من وافقه من الأمراء على المسير، ومن ثم إصدار أوامره إلى قواته بالمسير لملاقاة العدو مهما كانت الظروف حيث عبر عن ذلك بقوله: "أنا ألقي التتار بنفسي" لم يسع بقية الأمراء المعارضين إلا الموافقة، وانقضى الجمع على الخروج صفاً واحداً لإنقاذ المسلمين من ويلات الغزو المغولي المدمر.



قتل سفراء هولاكو: وكان أول إجراء قام به المظفر قطز ضد المغول هو إستدعاء رسل هولاكو واستقبالهم استقبالاً جافاً إيذاناً لإعلان الحرب عليهم، ومن ثم القبض عليهم وضرب عنق كل منهم أمام باب من أبواب القاهرة وتعليق رؤوسهم على باب زويلة وأبقى على صبي من الرسل وجعله من مماليكه، وكانت تلك الرؤوس أول ما علق على باب زويلة من المغول. ويبدو أن قطز اعتبر الرسل محاربين وأنهم ليس لهم الحصانة الكافية لمنع قتلهم، حيث أن المغول قتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى في سمرقند وبخارى وبغداد وحلب ودمشق وغيرها من بلاد المسلمين، كما أن رسل التتار أغلظوا القول وأساؤوا الأدب وتكبروا عليه وكان الهدف من تعليق رؤوس المغول على أبواب القاهرة الرئيسية رفع معنويات الناس وإعلان الحرب على التتار وإعلامهم بأنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل، وهذا يؤثر سلباً على التتار فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد، ويبقى الهدف الأكبر لقتل الرسل هو قطع التفكير في أي حل سلمي للقضية والاستعداد الكامل الجاد للجهاد، فبعد قتل رسل المغول لن يقبل التتار باستسلام مصر حتى لو قبل بذلك المسلمون، كان هذا هو إجتهاد قطز والأمراء في قتل رسل المغول، ولكن هذا يخالف الأصل في الإسلام، حيث أن الرسل لا تقتل، لا رسل المسلمين، ولا رسل الكفار، ولا حتى رسل المرتدين عن الإسلام، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، يقول عبد الله بن مسعود: جاء ابن النواحة وابن أشال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى اله عليه وسلم فقال لهما: "أتشهدان أني رسول الله؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما، يعلق عبد الله بن مسعود على هذا الحديث فيقول: مضت السنة أن الرسل لا تقتل. وهذا الحديث يدل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين. وما حدث من سيف الدين قطز، مخالف لأحكام الشريعة والكمال لله وحده.


وانتظروا يوم المعركة معركة عين جالوت

المصدر من كتاب الدكتور محمد علي الصلابي ( سيف الدين قطز)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://osodalsalaf.yoo7.com
 
مقدمة معركة ( عين جالوت ) وأحداث المعركة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات اسود السلف :: أسود السلف العام :: أسود التاريخ والقصص الأسلامى-
انتقل الى: